عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
170
اللباب في علوم الكتاب
فصل في أن الشيء المعلق ب « إن » لا يكون عدما عند عدم ذلك الشيء احتجّ من قال بأنّ المعلّق بلفظ « إن » لا يكون عدما عند عدم ذلك الشّيء ؛ بهذه الآية ، فإنّه تعالى علّق الأمر بالشّكر بكلمة « إن » على فعل العبادة ، مع أن من لا يفعل هذه العبادات يجب عليه الشكر أيضا . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 173 ] إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 173 ) لما أمر في الآية المتقدّمة بأكل الحلال ، فصّل في هذه الآية [ أنواع ] « 1 » الحرام . قوله : « إنّما حرّم » : الجمهور قرءوا « حرّم » مشدّدا مبنيّا للفاعل « الميتة » نصبا على أنّ « ما » كافّة مهيّئة ل « إنّ » في الدّخول على هذه الجملة الفعليّة ، وفاعل « حرّم » ضمير اللّه تعالى ، و « الميتة » : مفعول به ، وابن أبي عبلة « 2 » برفع « الميتة » وما بعدها ، وتخريج هذه القراءة سهل وهو أن تكون « ما » موصولة ، و « حرّم » صلتها ، والفاعل ضمير اللّه تعالى ، والعائد محذوف ؛ لاستكمال الشّروط ، تقديره : « حرّمه » ، والموصول وصلته في محلّ نصب اسم « إنّ » ، و « الميتة » : خبرها . وقرأ أبو جعفر « 3 » ، وحمزة مبنيّا للمفعول ، فتحتمل « ما » في هذه القراءة وجهين : أحدهما : أن تكون « ما » مهيئة ، و « الميتة » مفعول ما لم يسمّ فاعل . والثاني : أن تكون موصولة ، فمفعول « حرّم » القائم مقام الفاعل ضمير مستكنّ يعود على « ما » الموصولة ، و « لميتة » خبر « إنّ » . وقرأ « 4 » أبو عبد الرحمن السّلميّ « 5 » : « حرم » ، بضمّ الراء مخفّفة ، و « الميتة » رفعا و « ما » تحتمل الوجهين أيضا ، فتكون مهيّئة ، و « الميتة » ؛ فاعل ب « حرم » ، أو موصولة ، والفاعل ضمير يعود على « ما » وهي اسم « إنّ » ، و « الميتة » : خبرها ، والجمهور على تخفيف « الميتة » في جميع القرآن ، وأبو جعفر بالتّشديد ، وهو الأصل ، وهذا كما تقدّم في أنّ « الميت » مخفّف من « الميّت » ، وأن أصله « ميوت » ، وهما لغتان ، وسيأتي تحقيقه في سورة آل عمران عند قوله : وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ [ آل عمران : 27 ] . ونقل عن قدماء النحاة : أنّ « الميت » بالتّخفيف : من فارقت روحه جسده ،
--> ( 1 ) في ب : بنوع . ( 2 ) ينظر البحر المحيط : 1 / 660 ، الدر المصون : 1 / 441 . ( 3 ) ينظر : مصادر القراءة السابقة . ( 4 ) ينظر المحرر الوجيز : 1 / 239 ، البحر المحيط : 1 / 660 ، والدر المصون : 1 / 441 . ( 5 ) عبد اللّه بن حبيب أبو عبد الرحمن السلمي تابعي ثقة توفي سنة 194 ه . ينظر غاية النهاية : 1 / 413 .